الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
209
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جمعت وعيبا غيبة ونميمة * ثلاث خصال لست عنها بمرعوي ومنه قول آخر : لعن الإله وزوجها معها * هند الهنود طويلة الفعل ولا يجوز وعيبا جمعت غيبة ونميمة . وأمّا قوله : عليك ورحمة اللّه السلام فممّا قرب مأخذه عن سيبويه ، ولكن الجماعة لم تتلقّ هذا البيت إلّا على اعتقاد التّقديم فيه ، ووافقه المرزوقي على ذلك ، وليس في كلامهما أن تقديم المعطوف في مثل ما حسن تقديمه فيه خاص بالضرورة في الشعر ، فلذلك خرّجنا عليه هذا الوجه في الآية وهو من عطف الجمل ، على أن عطف الجمل أوسع من عطف المفردات لأنّه عطف صوري . ووقع في « مغني اللبيب » - في حرف الواو - أنّ تقديم معطوفها على المعطوف عليه ضرورة ، وسبقه إلى ذلك ابن السّيد في شرح أبيات الجمل ، والتفتازانيّ في شرح المفتاح ، كما نقله عنه الدماميني في « تحفة الغريب » . وجعل جمع من المفسّرين ضميري الغيبة في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ عائدين إلى طائفة من المشركين ، بلغ المسلمين أنّهم سيمدّون جيش العدوّ يوم بدر ، وهم كرز بن جابر المحاربي ، ومن معه ، فشقّ ذلك على المسلمين وخافوا ، فأنزل اللّه تعالى : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ الآية ، وعليه درج « الكشاف » ومتابعوه . فيكون معاد الضّميرين غير مذكور في الكلام ، ولكنّه معلوم للنّاس الّذين حضروا يوم بدر ، وحينئذ يكون يَأْتُوكُمْ معطوفا على الشرط : أي إن صبرتم واتّقيتم وأتاكم كرز وأصحابه يعاونون المشركين عليكم يمددكم ربّكم بأكثر من ألف ومن ثلاثة آلاف بخمسة آلاف ، قالوا فبلغت كرزا وأصحابه هزيمة المشركين يوم بدر فعدل عن إمدادهم فلم يمدّهم اللّه بالملائكة ، أي بالملائكة الزائدين على الألف . وقيل : لم يمدّهم بملائكة أصلا ، والآثار تشهد بخلاف ذلك . وذهب بعض المفسّرين الأوّلين : مثل مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، والزهري : إلى أن القول المحكي في قوله تعالى : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ قول صادر يوم أحد ، قالوا وعدهم اللّه بالمدد من الملائكة على شرط أن يصبروا ، فلمّا لم يصبروا واستبقوا إلى طلب الغنيمة لم يمددهم اللّه ولا بملك واحد ، وعلى هذا التفسير يكون إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ